محمود حمدي زقزوق

20

موسوعة التصوف الاسلامي

" التصوف الأخذ بالحقائق واليأس مما بأيدي الخلائق " 13 . ولن يتسع المجال هنا بطبيعة الحال لاستعراض كل التعريفات التي قيلت وبيان مضامينها وما تشير إليه . ولكننا نكتفي فقط بالإشارة إلى بعض الاتجاهات البارزة في تعريفات التصوف . ( أ ) الاتجاه الأخلاقي : لا جدال في أن السمو الأخلاقي وتصفية النفس من الشرور والآثام والارتفاع إلى أعلى درجات الكمال الخلقي من الأمور الأساسية في التصوف ، بل يجعلها البعض مرادفة للتصوف . ومن هنا نستطيع فهم هذه النوعية من التعريفات التي تركز على الجانب الخلقي . فأبو بكر الكتاني ( ت 322 ه ) يقول في تعريفه للتصوف : " التصوف خلق . فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في الصفاء " . وسئل أبو محمد الجريري ( ت 311 ه ) عن التصوف فقال : " الدخول في كل خلق سنى والخروج من كل خلق دنى " . ويحدد أبو الحسين النوري ( ت 295 ه ) التصوف بأنه خلق فيقول : " ليس التصوف رسما ولا علما ولكنه خلق " ويعلل ذلك بقوله : " لأنه لو كان رسما لحصل بالمجاهدة ، ولو كان علما لحصل بالتعليم ، ولكنه تخلق بأخلاق اللّه . ولن تستطيع أن تقبل على الأخلاق الإلهية بعلم أو رسم " . ويتضح من هذه النماذج من تعريفات التصوف تركيزها العام على الجانب الخلقي بوصفه أساس التصوف وثمرته في الوقت نفسه . وعلى الرغم من أن هذه الحقيقة لا مراء فيها إلا أن البعض يرى أن هذه التعريفات غير كافية في الكشف عن حقيقة التصوف ، فليس كل من بلغ الدرجة العليا في الأخلاق الكريمة يعد صوفيا بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة . ومن هنا لا يعد سقراط الذي كان داعية للفضيلة في المجتمع اليوناني ومتمسكا بالمثل العليا - لا يعد صوفيا ، كما لا يعد الحسن البصري صوفيا ، مع أنه كان مثلا صادقا للشعور الأخلاقي وللسلوك المثالي 14 .